ابراهيم بن عمر البقاعي
18
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الشَّيْطانَ أي الذي تكبر عن السجود حسدا لك يا آدم ونفاسة عليك ، فاحترق بغضبي فطرد وأبعد عن رحمتي لَكُما أي لك ولزوجك ولكل من تفرع منكما ونسب إليكما عَدُوٌّ مُبِينٌ * ظاهر العداوة يأتيكم من كل موضع يمكنه الإتيان منه مجاهرة ومساترة ومما كرة فهو مع ظهور عداوته دقيق المكر بما أقدرته عليه من إقامة الأسباب ، فإني أعطيته قوة على الكيد ، وأعطيتكم قوة على الكيد وأعطيتكم قوة على الخلاص وقلت لكم : تغالبوا فإن غلبتموه فأنتم من حزبي ، وإن غلبكم فأنتم من حزبه مع ما له إليكم من العداوة ، فالآية منبهة على أن من غوى فإنما هو تابع لأعدى أعدائه تارك لأولى أوليائه . ولما كان هذا ، تشوف السامع إلى جوابهما ، فأجيب بقوله : قالا أي آدم وحواء - عليهما السّلام وأزكى التحية والإكرام - قول الخواص بإسراعهما في التوبة رَبَّنا أي أيها المحسن إلينا والمنعم علينا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا أي ضررناها بأن أخرجناها من نور الطاعة إلى ظلام المعصية ، فإن لم ترجع بنا وتتب علينا لنستمر عاصيين وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا أي تمحو ما عملناه عينا وأثرا وَتَرْحَمْنا فتعلي درجاتنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ * فأعربت الآية عن أنهما فزعا إلى الانتصاب بالاعتراف ، وسميا ذنبهما - وإن كان إنما هو خلاف الأولى لأنه بطريق النسيان كما في طه - ظلما كما هي عادة الأكابر في استعظام الصغير منهم ، ولم يجادلا كما فعل إبليس ، وفي ذلك إشارة إلى أن المبادرة إلى الإقرار بالذنب من فعال الأشراف لكونه من معالي الأخلاق ، وأنه لا مثيل له في اقتضاء العفو وإزالة الكدر وأن الجدال من فعال الأرذال ومن مساوي الأخلاق وموجبات الغضب المقتضي للطرد . ولما تشوفت النفس إلى جواب العلي الكبير سبحانه ، أجيبت بقوله : قالَ اهْبِطُوا أي إلى دار المجاهدة والمقارعة والمناكدة حال كونكم بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي أنتما ومن ولدتماه أعداء إبليس ومن ولد ، وبعض أولادكم أعداء لبعض ، ولا خلاص إلا باتباع ما منحتكم من هدى العقل وما أنزلت إليكم من تأييده بالنقل ، وفي ذلك تهديد صادع لمن له أدنى مسكة بالإشارة إلى قبح مغبة المخالفة ولو مع التوبة ، وحث على دوام المراقبة خوفا من سوء المعاقبة وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي جنسها مُسْتَقَرٌّ أي موضع استقرار كالسهول وما شابهها وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ * أي انقضاء آجالكم ثم انقضاء أجل الدنيا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 25 إلى 27 ] قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ ( 25 ) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 26 ) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 )